فخر الدين الرازي
169
تفسير الرازي
الخطاب اللطيف أقرب إلى التلطف في صرفهم عن طريقتهم في الضلال والإضلال وأدل على النصح لهم في الدين والإشفاق . قوله تعالى * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ ) * . واعلم أنه تعالى لما حذر الفريق من أهل الكتاب في الآية الأولى عن الإغواء والإضلال حذر المؤمنين في هذه الآية عن إغوائهم وإضلالهم ومنعهم عن الالتفات إلى قولهم ، روي أن شاس بن قيس اليهودي كان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد ، فاتفق أنه مرّ على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج فرآهم في مجلس لهم يتحدثون ، وكان قد زال ما كان بينهم في الجاهلية من العداوة ببركة الإسلام ، فشق ذلك على اليهودي فجلس إليهم وذكرهم ما كان بينهم من الحروب قبل ذلك وقرأ عليهم بعض ما قيل في تلك الحروب من الأشعار فتنازع القوم وتغاضبوا وقالوا : السلاح السلاح ، فوصل الخبر إلى النبي عليه السلام ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار ، وقال : أترجعون إلى أحوال الجاهلية وأنا بين أظهركم ، وقد أكرمكم الله بالإسلام وألف بين قلوبكم فعرف القوم أن ذلك كان من عمل الشيطان ، ومن كيد ذلك اليهودي ، فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً ، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما كان يوم أقبح أولاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية فقوله * ( إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب ) * يحتمل أن يكون المراد هذه الواقعة ، ويحتمل أن يكون المراد جميع ما يحاولونه من أنواع الإضلال ، فبيّن تعالى أن المؤمنين إن لانوا وقبلوا منهم قولهم أدى ذلك حالاً بعد حال إلى أن يعودوا كفاراً ، والكفر يوجب الهلاك في الدنيا والدين ، أما في الدنيا فبوقوع العداوة والبغضاء وهيجان الفتنة وثوران المحاربة المؤدية إلى سفك الدماء ، وأما في الدين فظاهر .